لا أذكر تحديداً كيف وصلت إلى هذا الكتاب، لكنه كان ضمن مجموعة من الكتب اقتنيتها تدور حول مفهوم واحد: الإنتاجية العالية، وهي:
- التركيز الفائق للمؤلف Chris Bailey
- الضوابط الأربعة للتنفيذ للمؤلفين : Chris Mcchesney, Sean Covey, Jim HulinG
كنت اهدف من اقتنائي لهذه المجموعة إلى التوصل عن إجابة لسؤال مزمن: كيف أتغلب على التشتت وأستعيد التركيز؟ ، لان في ظني أن هذا هو السؤال الجذري الذي يجب البحث عن إجابته عند تناول موضوع الإنتاجية. ووقع الاختيار على كتاب “عمل عميق” كأول كتاب في المجموعة.
حين تطلع على غلاف الكتاب ومقدمته، يتبادر إلى ذهنك فوراً أنك أمام كتاب يعدك بتحويل طريقة عملك المعتادة الى طريقة اكثر كفاءة ، وذلك وفقًا لمجموعة من التعليمات العملية المبنية على حجة على ان القدرة على التركيز العميق هي “إحدى المهارات الأكثر قيمة في اقتصادنا” كما وصفها المؤلف وأن اتقانها سيحقق لك نتائج استثنائية.
ساستعرض في هذه التدوينة في هذه التدوينة بعض أفكار الكتاب مع التعليق عليها.
أهمية الصياغة الأولى
يقول نيوبورت في صفحة 62 في محضر حديثه عن رسائل البريد الإلكتروني التي تحمل مهام :
“و المزيد من الاهتمام بصياغة الرسالة من المُرسل يمكن أن يخفض الوقت الكلي المُستهلك من كل الأطراف بفارق كبير”
وهذا ما أجدني اتفق معه بشدة حيث ان الجهد الذي تبذله في صياغة رسالتك بوضوح منذ البداية لا يعتبر جهدًا مبالغًا فيه بل استثمار حقيقي في وقتك ووقت من تتواصل معه. كثيرٌ منا يميل إلى إرسال رسائل مفتوحة وسريعة ظناً منه أنه يوفر الوقت، لكن الحقيقة أن هذا يولّد جولات متكررة من النقاش ودقائق عديدة لشرح المقصود كان يمكن اختصارها بتحسين الصياغة الأولى.
الإنجاز الزائف
ما توقفت عنده في صفحة 72، الصفحة اقتباس يصف ظاهرة شائعة الحدوث:
“في ظل غياب الأهداف الواضحة لوظيفتك، يصبح الانشغال المرئي بديلاً زائفاً عن الإنتاجية الحقيقية، ونعتبر هذه السلوكيات ضرورية لا لأنها تضيف قيمة بل لأنها موجودة”
وهذا في رأيي يلامس حاجتنا الغريزية لتقديم تفسيرات سريعة وتجنب الغموض، حتى لو كانت هذه التفسيرات تٌفضي الى شعور زائف بالإنتاج.
للاستزادة في هذا الموضوع اقرأ عن الإغلاق المعرفي Cognitive Closure وهو مصطلح صاغه عالم النفس الاجتماعي Arie Kruglanski
الإندماج: مكمن السعادة
من أكثر ما لفت انتباهي في هذا الكتاب، تلك الفكرة التي تعارض العرف السائد بأننا نظن أن السعادة تكمن في الراحة ووقت الفراغ، لكن الأبحاث تقول عكس ذلك تماماً. يقول نيوبورت في صفحة 86 :
“من المفارقات، أن الوظائف تكون فعلياً أسهل في الاستمتاع من وقت الفراغ، لأنها مثل أنشطة التدفق لديها أهداف مدمجة وقواعد تغذية راجعة وتحديات، وكل هذه الأشياء تشجع الفرد على أن ينهمك في عمله ويركز ويندمج فيه”
لقد تُرجم مصطلح “Flow” في الكتاب بترجمة حرفية تعني “التدفق” ولكنني اعتقد ان الترجمة الأكثر اتساقًا مع المعنى المراد هو “الإندماج”.
يتفق هذا الطرح مع ما أوضحه عالم النفس “Mihaly Csikszentmihalyi” في نموذجه الشهير لمنطقة التدفق “الاندماج” حيث تقع السعادة الحقيقية عند منطقة (مهارة عالية مع تحدٍ عالٍ)، بينما تقع اللامبالاة عند المنطقة المعاكسة التي لا يوجد بها مهارة مبذولة ويغيب فيها التحدي الحقيقي. (انظر الصورة بالاسفل لفهم الفكرة)
بمعنى آخر — سعادتك تكمن في اللحظة التي تنغمس فيها كلياً فيما تفعل. هذا المفهوم شاهدته للمرة الأولى في أحد مقاطع TedX الشهيرة بعنوان: (Flow, the secret to happiness) لنفس العالم حيث قمت بالتقاط الشاشة عند تقديمه هذا النموذج كونه استحوذ على اهتمامي بشدة.

هنا بإمكانك مشاهدة كامل المقطع الذي تحدث عن مفهوم التدفق:
Flow: the secret to happiness
النية: وقود الاستمرارية
عندما تتعلم مهارة معرفية جديدة فإن تعرضك لها في وقت لاحق سيعزز من حضورها في ذهنك، وهذا ما حدث لي أثناء قراءتي للصفحة 92 من الكتاب حيث يتحدث نيوبورت عن المعنى الذي نبحث عنه في عملنا، وكيف أنه لا يأتي بالضرورة من طبيعة الوظيفة، بل من الطريقة التي نتعامل بها معها. حيث يقول:
“أنت لا تحتاج أن تكون عاملاً يكدح في ورشة مفتوحة حتى تعتبر جهودك نوعًا من الحرف اليدوية التي يمكن أن تولد المعنى الذي تحدث عنه “دريفوس” و “كيلي”، بل يمكن أن نجد حرفة مشابهة في أغلب الوظائف المهارية في مجال اقتصاد المعلومات”
بالحديث عن دريفوس وكيلي فهما عالمان درس الأول الفلسفة والثاني عمل رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة هارفارد — حسب المؤلف — والذين أشارا في كتابهما المشترك (All Things Shining) إلى أن الحرف اليدوية توفر سبيلاً لإعادة الشعور بالقدسية بطريقة مسؤولة، حيث استخدما مثال صانع العجلات الماهر الذي يعتبر أن كل قطعة من الخشب مميزة بهويتها ويرتبط بعلاقة قوية مع هذه القطع عند تشكيلها. ويستطرد نيوبورت في شرح المفهوم الذي قدمه العالمان على أن القيمة لا تكون في الخشب نفسه بل في الخشب مع المهمة التي وجد هذا الخشب من الأساس للقيام بها.
ما جعل لهذه الفكرة صدىً شخصياً لديّ هو تجربتي السابقة مع البرنامج التعليمي (McKinsey Forward) والذي قدّم نفس المفهوم في أحد المواد التعليمية ضمن سلوكيات التعلم الفعّال في بداية البرنامج بعنوان (Set an intention and start small) حيث ذكر مانصه:
“Setting an intention makes it more likely that the learning will happen and that you will enjoy yourself in the process”
وهذا يعني أن تحديد نية قبل الشروع في تعلم أمر ما سيزيد من إمكانية تعلمك إياه، وسيجعلك أكثر استمتاعاً في ذلك. وهو ما يتقاطع تماماً مع ما يقوله نيوبورت — فتحديد النية قبل البدء لا يجعل المهمة قابلةً للإنجاز فحسب، بل يمنحها معنىً حقيقياً، وصورة اكبرلما تقوم بعمله ، هذا المعنى يمكن التعبير عنه مجازاً بمثابة “وقود الاستمرارية”.
قوة الإرادة: منظور آخر
لطالما ارتبطت الإرادة بمعاني كالقوة والإنتاجية لدى الكثير من الكتاب والمتحدثين، ولكن مما يثير الاستغراب أن نيوبورت قدّم طرحاً آخر لها حين قال في صفحة 102:
“أنت تمتلك قدراً محدوداً من قوة الإرادة ينفد كلما استخدمته”
ويذهب أبعد من ذلك ليقول إن الحل ليس في تقوية إرادتك، بل في بناء روتين يجعل التركيز العميق قراراً تلقائياً لا يستنزف منك شيئاً.
الفصل بين العمل والراحة
وفي منتصف الكتاب تقريباً عند صفحة 157 يقول نيوبورت عن أهمية الفصل التام بين العمل والراحة:
“عندما تعمل، اعمل بجد. وعندما تنهي عملك، انته منه. قد يقل متوسط وقت الرد على بريدك الإلكتروني بعض الشيء، لكنك ستعوض ذلك بقدر هائل من العمل المهم الذي ستنجزه خلال اليوم، بقدرتك المتجددة على التعمق مقارنة بأقرانك المنهكين”
وهذا برأيي يجب أن يتم تناوله من جانبين:
1- العمل المتقن
إن جزء العمل بجدية يمكن النظر إليه بمفهوم الإتقان، فالعمل ذو الجودة العالية هو نتاج شخص يعمل بإتقان. وهذا توجيه نبوي كريم قبل أن يكون أسلوباً توعوياً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ”.
ولأن تأديتك لأي مهمة تستهلك من وقتك وجهدك فالأحرى أن تجعل النتيجة ذات قيمة عالية تبرر الجهد والوقت المستهلك في تأديتها.
2- النتيجة
هناك مفهوم يسمى (حلقة العادة) والذي طرحه (تشارلز دوهيغ) في كتابه الشهير (The Power of Habit) حيث يوضح أن العادة تتألف من ثلاثة عناصر: الإشارة والروتين والمكافأة. والراحة الحقيقية هنا هي المكافأة! نعم، فالمكافأة هي ما يجعل عقلك يرغب في تكرار العمل العميق من جديد. وهذا ما يقابل الشق الثاني من حديث نيوبورت عن الانتهاء من العمل.

تكلفة التنقل بين المهام
ما استوقفني في الصفحات 161 و 167 هو ما نقله نيوبورت عن الباحث الراحل (كليفورد ناس) والذي عرف بدراسته للسلوك في العصر الرقمي — كما يقدمه نيوبورت — في وصفه للأشخاص متعددي المهام:
“لدينا مقاييس تتيح لنا تقسيم الأشخاص على: أشخاص متعددي المهام طوال الوقت، وأشخاص نادرًا ما يفعلون ذلك، والاختلافات بينهم واضحة؛ فالأشخاص متعددو المهام طوال الوقت لا يمكنهم استبعاد الأشياء التافهة، ولا يمكنهم إدارة ذاكرة عاملة، وذلك لأنهم مشتتون بصورة مزمنة، فهم يثيرون أجزاء كبيرة بعقولهم لا علاقة لها بالمهمة التي يعملون عليها … إنهم بدرجة كبيرة مجرد حطام ذهني”
وهذا يقودني إلى فكرة أخرى أجدها مهمة — أن تعدد المهام لا يكلفك وقتاً فحسب، بل له تكلفة ذهنية حقيقية في كل انتقال بين مهمة وأخرى. وهو ما تؤكده الباحثة (Sophie Leroy) في مفهوم بقايا الانتباه (Attention Residue) حيث تقول ما معناه أن جزءاً من انتباهك يبقى عالقاً في المهمة السابقة حتى بعد انتقالك للجديدة التي يجب أن يكون انتباهك مكرساً لها.
يمكننا النظر إلى هذا المفهوم بمنظور الإندماج الذي تحدثنا عنه سابقاً، حيث إن التبديل بين المهام قد ينتج عنه تأخر في توظيف التركيز للمهمة الجديدة بالكامل مما يؤخر دخولك في منطقة الإندماج، وكأن كل تبديل يجبرك أن تعيد توظيف تركيزك من جديد.
للاستزادة عن موضوع بقايا الانتباه يمكنك النظر إلى هذه الصفحة كمدخل:
Sophie Leroy – School of Business
وفي سياق متصل في صفحة 167 يضيف نيوبورت بُعداً عملياً لمشكلة تبديل المهام حين يقول:
“بصرف النظر عن كيفية جدولة فترات الإنترنت، يجب عليك الحفاظ على الوقت المتبقي خالياً تماماً من استخدام الإنترنت”
يقصد نيوبورت بالإنترنت تصفح البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي — كما فهمته — حيث إن الاستسلام لإغراء الإنترنت خارج فترات الجدول الذي حددته لنفسك لا يضيع وقتك فحسب — بل يُعلّم ذهنك أن الجدول الذي وضعته للفصل بين المهمة الفعلية وبين الإنترنت غير ملزم، فتتآكل قدرتك على التركيز تدريجياً حتى في الأوقات التي خصصتها للعمل العميق.
درس اقتصادي من الحياة العامة
في صفحة 194 من الكتاب، لا يلجأ نيوبورت إلى نظرية أو دراسة — بل يحكي قصة حقيقية التقى فيها بمزارعة اسمها فورست بريتشارد تدير مزرعة عائلية تسمى مروج سميث في ولاية ماريلاند. أراد نيوبورت أن يفهم كيف يفكر الحرفي في اختيار أدواته، فأخبرته بريتشارد عن قرارها بالتخلي عن مكبس التبن — وهو أداة تجمع العشب الجاف وتربطه في حزم — قائلةً:
“إذا قمت بزراعة القش طوال فصل الصيف فلن أتمكن من عمل شيء آخر، على سبيل المثال، بدلاً من ذلك فأنا الآن أستغل هذا الوقت في تربية الدجاج المسمّن للأكل، وهذا يؤدي إلى تدفق نقدي جيد، لأنني أستطيع بيع الدجاج، كما ينتج عن الدجاج السماد العضوي الذي يمكنني استخدامه في تحسين التربة، كما أتجنب انضغاط التربة نتيجة قيادة الآلات الثقيلة عليها طوال فصل الصيف”
إذاً ما هو الدرس الاقتصادي هنا؟
في الواقع إن مبرر المزارعة هو تطبيق عملي لمفهوم (تكلفة الفرصة البديلة) وهو مفهوم اقتصادي يمكن التعبير عنه بأن الخيار الحقيقي ليس بين الفعل وعدمه، بل بين هذا الفعل وأفضل بديل ممكن له. كل قرار تتخذه ينطوي على تكلفة خفية هي ما تخسره من البديل الذي لم تختره — وهذا ما يغفل عنه كثيرون حين يقيّمون خياراتهم بالتكاليف المباشرة فقط.
الذكاء في التواصل
مجدداً نعود إلى أهمية الصياغة الأولى ولكن بتوظيف آخر، ففي الصفحة 261 قدّم نيوبورت مثالاً عملياً يوضح الفرق بين رسالتين، الأولى أسماها بالرسالة الغامضة والثانية بالواضحة، حيث تقول الغامضة:
“مرحباً أستاذي، أرغب في لقائك للتحدث حول موضوع س، هل أنت متفرغ لذلك”
أما الواضحة فتقول:
“مرحباً أستاذي، إنني أعمل على مشروع مشابه لـ موضوع س ويشرف عليه الأستاذ ص، فهل يمكنني الحضور لمكتبك في آخر خمس عشرة دقيقة من ساعات عملك يوم الثلاثاء لأوضح لك بعض النقاط بشكل مفصل، ولنرى إن كان هذا سيضيف بعض النقاط التكميلية لمشروعك الحالي؟”
يبرر نيوبورت الفرق بين الرسالتين بأنه نابع من ملاحظته الشخصية كطالب متخرج من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عند تعامله مع الأساتذة المشهورين، حيث إن سلوكهم المعتاد عند استلام رسائل البريد الإلكتروني هو عدم الرد! ويصف نيوبورت هذا السلوك بأنه إيمان من أساتذته بأن المرسل مسؤول عن إقناع المستلم بأنه يجب عليه الرد. فالرسالة الأولى — النوع الأكثر شيوعاً من الرسائل — ستحث أغلب الأساتذة المشهورين على تجاهل الرد، والعكس صحيح للرسالة الثانية.
مثال الرسائل هذا يذكرني بمفهوم (الأهداف الذكية) — (SMART Goals) — وهو مفهوم يقوم على أن يكون الهدف محدداً وقابلاً للقياس وقابلاً للتحقيق وذا صلة ومحدداً بوقت. ووجه الربط هنا أن الرسالة الثانية تطبق هذا الإطار بشكل غير مباشر — فهي محددة في موضوعها، وقابلة للقياس في طلبها، وواضحة في توقيتها، ومبررة في قيمتها للطرف الآخر.
رغم أن الأهداف الذكية قد تكون مثالاً مستهلكاً عند معظم المؤلفين والمتحدثين — كما هو الحال في مثال جبل الجليد — إلا أن التوظيف الصحيح لها يجعلها ذات قيمة ويبرر استخدامها كما هو الحال في رسالة البريد الإلكتروني. وللتعرف أكثر عن الأهداف الذكية يمكنك قراءة تدوينتي هذه:
الأهداف الذكية – وليد آل مَسلَمه
اقتنيت هذا الكتاب ضمن مجموعة أخرى للبحث عن حل حقيقي لمشكلة التركيز ونبذ التشتت، فوجدته أقرب إلى الدليل التنفيذي منه إلى كتاب تحفيزي، حيث يتميز بعمق الأفكار وكأنها كتبت خصيصاً للغرض الذي وُضع من أجله (عمل عميق) !
ويزيد من قيمة الكتاب عدة أمور برأيي منها الاستشهاد الواسع بكتب ودراسات خارجية وهذا يعكس إلمام المؤلف الحقيقي بموضوعه، وكذلك الهوامش التي تضيف معلومات قيمة يمكن الاستزادة عن النص عبرها، بالإضافة إلى الانسيابية في تقديم الحل وهو ما احبذه دومًا: ان يكون هناك منهجية تنتهي بنتيجة واضحة.